4 أدلة تفتح باب الجدل التاريخي.. كبير الأثريين يرد على شواهد ربط رمسيس الثاني بفرعون موسى
ردّ مجدي شاكر، كبير الأثريين، على ما أُثير إعلاميًا بشأن وجود 4 شواهد يستند إليها البعض للقول إن الملك رمسيس الثاني هو فرعون موسى، وذلك وفقًا لما طرحه الدكتور ممدوح الدماطي، وزير الآثار الأسبق، موضحًا عددًا من الملاحظات التاريخية والأثرية المتعلقة بهذه النظرية.
4 أدلة تفتح باب الجدل التاريخي.. كبير الأثريين يرد على شواهد ربط رمسيس الثاني بفرعون موسى
وقال كبير الأثريين، لـ القاهرة 24، إن من بين الحجج التي يتم الاستناد إليها طول عمر فرعون، وكون رمسيس الثاني عاش أكثر من 90 عامًا، وحكم مصر نحو 66 عامًا، موضحًا أن الرواية تقول إن النبي موسى تربى في قصر فرعون، ثم هرب وهو كبير، وبعد فترة عاد ليواجه الملك، ومن ثم جرى البحث عن ملك ذي مدة حكم طويلة، ولا يوجد وفق هذا الطرح أفضل من رمسيس الثاني، الذي حكم 66 عامًا وتوفي عن عمر ناهز 90 عامًا.
وأضاف أن تقسيم الأحداث زمنيًا وفق هذه الرواية يتمثل في 40 عامًا قبل هروب موسى، ثم 40 عامًا مختبئًا في منطقة مدين، ثم 40 عامًا للعودة والخروج، متسائلًا: إذا كان الاعتماد على القرآن مصدرًا للقصة – وهو ما يتم التصريح به – فإن القرآن ذكر أن موسى أقام في مدين 10 سنوات، وليس 40 سنة، بينما تقسيمة الـ40 + 40 موجودة في مصدر آخر هو سفر أعمال الرسل، أحد كتب الإنجيل المسيحي، قائلًا: «هنعتبر سفر أعمال الرسل هو مصدر القصة؟».
وأوضح شاكر أن الأمر يحتاج، وفق هذه الحسابات، إلى ملك يبلغ عمره 80 عامًا على الأقل، لأن موسى هرب في سن الأربعين، ثم قضى 40 عامًا في مدين، لافتًا إلى أن رمسيس الثاني حكم 66 سنة فقط، وهو ما يعني أن رمسيس الثاني – حتى وفق هذه الحسبة – ليس مناسبًا للرواية.
وتابع: «عمر النبي لا يؤخذ من مصدر (العهد الجديد) ويؤخذ اسم مدينة من مصدر تاني (التوراة) ويؤخذ فكرة الأنهار تجري من تحتي من مصدر تالت (القرآن) ونذكر أن هذه نتيجة؟! هذه توليفة مصادر».
التمثال في أبو سمبل ليس دليلًا على تأليه رمسيس الثاني لنفسه
وأشار كبير الأثريين إلى الحجة الثانية، التي تقول إن رمسيس الثاني هو فرعون الخروج لأنه الملك المصري الوحيد الذي قام بتأليه نفسه، مستندين إلى منظر قدس الأقداس في المعبد الكبير بأبو سمبل، حيث توجد أربعة تماثيل لكل من آمون رع، ورع حور أختي، وبتاح، ورمسيس الثاني.
وتساءل عن مدى صحة القول إن رمسيس الثاني هو الوحيد الذي أقام تماثيل في حضرة آلهة مصر القديمة، موضحًا أن نقوش معبد صولب في النوبة تُظهر الملك أمنحتب الثالث مع الإله، «نب ماعت رع – سيد النوبة»، وذلك قبل رمسيس الثاني بحوالي 100 عام.
وأضاف أن النص القرآني الذي يتم الاعتماد عليه في هذا السياق هو: «ما علمت لكم من إله غيري»، معتبرًا أن تمثال رمسيس الثاني في أبو سمبل يتم تقديمه باعتباره دليلًا على تأليه نفسه، بينما القرآن ذكر على لسان فرعون الخروج أنه ادعى الألوهية بشكل حصري لنفسه.
وأوضح شاكر أن النقوش المصرية لم تذكر أن رمسيس الثاني قال: «لا توجد آلهة غيري»، لافتًا إلى أن الأمر يتعلق بفكرة لاهوتية معقدة، تتمثل في تصوير انعكاس الذات الملكية في عالم الآلهة المصرية، وذلك في فترة كانت تشهد مواجهة دعائية قوية مع تهديد المملكة الحيثية، التي كانت ترى الملك إلهًا فعليًا بمعنى الكلمة.
كيف يقدم رمسيس الثاني القرابين للآلهة إذا كان يرى نفسه الإله الأعلى؟
وفيما يتعلق بالحجة الثالثة، الخاصة بادعاء ألوهية رمسيس الثاني، قال شاكر إن رمسيس الثاني كان يسجل نفسه وهو يقدم القرابين للآلهة في أكثر من معبد وأكثر من نقش، متسائلًا: «كيف أنه رأى أنه إله أعلى (ربكم الأعلى) هيقدم قرابين لإله آخر؟!».
وأوضح أن علم المصريات يفرق بشكل كبير بين «شخص الملك البشري»، سواء كان رمسيس أو غيره، وبين «الذات الملكية الكونية» التي تمنح حكمه «قداسة دينية ملكية»، مؤكدًا أن الاثنين غير مرتبطين أصلًا في اللاهوت المصري القديم.
وأشار إلى أن الجانب السياحي من هذه الطروحات يجب أخذه في الاعتبار، موضحًا أن مثل هذه التفسيرات تشوه أجمل طقس مصري يزوره السياح من مختلف أنحاء العالم، ويُحتفل به سنويًا مرتين، وهو ظاهرة «تعامد أشعة الشمس على قدس أقداس المعبد».
توقيت الخروج.. هل حدث في القرن الثامن قبل الميلاد؟
وانتقل شاكر إلى الحجة الرابعة، المتعلقة بتوقيت أحداث الخروج، قائلًا إن أحداث الخروج حصلت في القرن الثامن قبل الميلاد طبقًا للمؤرخين الثقات الذين عرفوا التاريخ من السردية المصرية للقصة.
وأوضح أن تزمين الخروج في تاريخ أقدم جاء نتيجة الاعتماد على التزمين اليهودي والتراكم الزمني بناءً على أعمار الأنبياء والأجيال، مشيرًا إلى أن من بين هذه الأعمار من عاش مئات السنين، وهو ما يتعارض – بحسب طرحه – مع الحقائق التاريخية والأثرية والعلمية الحيوية.
وأضاف أن «التزمين اليهودي المفضوح» هو التزمين نفسه الذي يدعي أن خلق العالم كان في عام 3761 قبل الميلاد، وهو التاريخ الذي يوافق – وفق المقارنة التي طرحها – ظهور حضارة البداري في مصر، والتي ظهرت حوالي 5000 قبل الميلاد، وكذلك حضارة نقادة في صعيد مصر التي ظهرت حوالي 4400 قبل الميلاد، متسائلًا: «مما يعني آدم عندما ظهر (طبقًا لكلام اليهود) كان فيه حضارة قائمة في مصر وشعب ونشاط كبير».
بر رعمسيس.. العاصمة التي تكشف تساؤلات زمنية
وتطرق كبير الأثريين إلى بر رعمسيس، موضحًا أنها العاصمة التي بناها رمسيس الثاني في الشمال، وظلت لقرون طويلة بعد أن هجرها أهلها بسبب تزحزح فرع النيل، الذي بقي أثره في بحر مويس، وانتقلت العاصمة إلى صان الحجر.
وأضاف أن المنطقة تحولت إلى أرض مفتوحة جافة، وبالتالي أصبحت مناسبة جدًا لإقامة قمائن للقمح، معتبرًا أن ذلك يؤكد أن الأحداث كانت بعد عصر رمسيس الثاني بقرون، مشيرًا إلى أن عام 1060 قبل الميلاد كان زمن الانتقال إلى العاصمة الجديدة.
هل «فرعون» اسم شخص أم لقب؟
وفي نقطة أخرى، قال شاكر إن معظم الآراء اتفقت على أن «فرعون» اسم شخص وليس لقبًا، مستندًا إلى وروده في القرآن أكثر من 40 مرة، دون أن يأتي معرفًا بـ«الألف واللام»، أي لا تسبقه «ال»، لأن أسماء الأشخاص لا تُعرّف، ولا تأتي مسبوقة بالألف واللام، بينما إذا كان لقبًا لكان أضيفت الألف واللام قبله، مثل «يا أيها الملك»، لأن «الملك» هنا لقب.
وأضاف أن الرأي الغالب بين العلماء أن فرعون الخروج هو آخر ملوك الهكسوس في مصر، وأنه غرق وجنوده في البحر شمال خليج السويس أثناء مطاردته موسى وبني إسرائيل، وذلك في نهاية الأسرة السابعة عشرة، بعد هزيمة ملوك وادي النيل سقنن رع وابنه كاموس أثناء محاولتهما طرد الهكسوس من البلاد.
وأوضح أن ملوك مصر في ذلك الوقت كانوا يحكمون من طيبة، الأقصر حاليًا، بينما كان الهكسوس يحتلون إقليم شرق الدلتا، شرق الفرع البيلوزي للنيل، وكان اسم الإقليم «جوشن» أو «جاسان»، مشيرا إلى أنه بعد مقتل الملك كاموس جاء شقيقه أحمس، الذي طرد ما تبقى من فلول الهكسوس بعد غرق ملكهم فرعون مع جنود النخبة من جيشه في البحر، موضحًا أن الملك رمسيس الثاني جاء بعدهم بأكثر من 200 سنة، في بداية الأسرة التاسعة عشرة، بعد والده سيتي الأول وجده رمسيس الأول مؤسس الأسرة التاسعة عشرة، وبالتالي – بحسب هذا الطرح لا يمكن أن يكون الطرفان قد عاصرا بعضهما.
وأختتم، شاكر إلى أن العهد القديم، التوراة، يروي القصة بالتفصيل، وأنه وفقًا للرواية الواردة فيها لم ينجُ أحد من الغرق.


