بعد تريند الشاي المغلي.. الأوقاف: ممارسة تمثل تشويهًا لمفهوم الصداقة وتُعرّض المشاركين لمخاطر جسيمة
علقت وزارة الأوقاف، على تريند الشاي المغلي، المنتشر بين عدد كبير من الشباب، موضحة أن هذه الممارسة تمثل تشويهًا لمفهوم الصداقة، وتُعرّض المشاركين لمخاطر جسدية ونفسية جسيمة.
بعد تريند الشاي المغلي.. الأوقاف: هذه الممارسة تمثل تشويهًا لمفهوم الصداقة وتُعرّض المشاركين لمخاطر جسدية ونفسية جسيمة
وقالت في بيان لها: انتشرت على وسائل التواصل في مصر ظاهرة خطيرة تسمى اختبار قوة الصداقة، حيث يسكب شخصان ماءً مغليًا على أيديهما المتشابكتين كتحدٍّ، ويزعمون أن من ينسحب أولًا يكون صديقًا غير وفيّ، وهذه الممارسة تمثل تشويهًا لمفهوم الصداقة، وتُعرّض المشاركين لمخاطر جسدية ونفسية جسيمة، ما يستدعي التوعية بخطورتها وبيان حكمها الشرعي.
ظاهرة اختبار الصداقة وخطورتها
وواصلت: نتابع ببالغ القلق ما ضجت به منصات التواصل الاجتماعي مؤخرًا في مصر من تريند غريب وخطير، يتمثل في وضع شخصين أيديهما معًا، ثم سكب المياه المغلية فوقهما تحت مسمى اختبار قوة الصداقة، حيث يُعتبر من ينزع يده أولًا صديقًا غير وفي، وهي ظاهرة تعكس زيفًا فكريًّا وتشوهًا في مفهوم الأخوة، وتصطدم صِدَامًا صريحًا مع مقاصد الشريعة ومعايير السلامة الإنسانية، ولذا وجب علينا تبيان الحقيقة صيانةً لشبابنا من هذا العبث المميت.
تحذيرات طبية من مخاطر الحروق والإصابات الدائمة
وأكملت: لقد سارعت وزارة الصحة المصرية بالتحذير من هذه الممارسات، حيث أكد المتحدث الرسمي أن سكب المياه أو المشروبات المغلية على اليد بدافع التحدي يمثل خطورة صحية جسيمة، إذ قد تؤدي هذه الأفعال إلى إصابات حرارية متفاوتة الشدة تصل إلى حروق عميقة من الدرجتين الثانية والثالثة، وما يصاحب ذلك من تلف دائم في الأنسجة وتشوهات مستديمة، وقد تستلزم تدخلات طبية معقدة وفترات تأهيل طويلة، وهذا يثبت أن ما يُسمى اختبارًا هو في الحقيقة جناية طبية مكتملة الأركان.
الرؤية الشرعية تؤكد حرمة إيذاء النفس
وأفادت الأوقاف: يجب أن ندرك جميعًا أن أجسادنا ليست ملكًا شخصيًّا نعبث بسلامته، بل هي أمانة استودعها الله عندنا وسنسأل عنها يوم القيامة، وقد أحاط الإسلام النفس البشرية بسياج من المحرمات يمنع المساس بها، حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِیمࣰا ﴾ [النساء: 29] ، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُلۡقُوا۟ بِأَیۡدِیكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، وهذه النصوص شاملة لكل فعل يؤدي إلى الضرر، كما قرر النبي -صلى الله عليه وسلم، قاعدةً جامعةً من قواعد الشريعة بقوله: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» [موطأ مالك:31]، وهي قاعدة تضبط سلوك المسلم في علاقته بنفسه وبغيره، وتمنع كل ما يؤدي إلى الإضرار أو الإيذاء تحت أي ذريعة، وينبغي أن تعلم أخي الشاب أن الصداقة الحقيقية تكون بالأخلاق الحسنة والمواقف النبيلة، فالصاحب الصادق إذا ذكرت أعانك، وإذا نسيت ذكرك وإذا أخطأت قومك.
وأشارت: إن كلمة السر في صلاح وفلاح الصالحين بعد توفيق الله -عز وجل- هي الصاحب، فإذا صاحبت الكبار صرت كبيرًا، وإذا صاحبت الصغار صرت مثلهم، وإذا صاحبت الكرام علموك الكرم، وإذا صاحبت اللئام علموك اللؤم، إذا صاحبت كريم الأخلاق أصابتك عدوى جمال أخلاقه، وإذا صاحبت سيئ الأخلاق أصابتك عدوى أخلاقه السيئة.
وتابعت: إننا حين نعود إلى ميزان صدق الأخوة في الله نجد أن الصداقة الحقيقية تُبنى على حماية الآخر لا على امتحان قدرته على تحمل الحرق، وقد ضرب لنا التاريخ الإسلامي أروع الأمثلة في الإيثار الحقيقي.
وأضافت الأوقاف: وليس هناك أروع وأدل على المحبة والصداقة الخالصة مثل ما كان بين صاحب الجناب النبوي - صلى الله عليه وسلم، وبين صاحب المقام الصديقي أبو بكر الصديق رضي الله عنه، يقول محمد بن سيرين: ذكر رجال على عهد عمر، فكأنهم فضلوا عمر على أبي بكر، فبلغ ذلك عمر، فقال: والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر، وليوم من أبي بكر خير من آل عمر، لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليلة انطلق إلى الغار، ومعه أبو بكر فجعل يمشي ساعة بين يديه، وساعة خلفه، حتى فطن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا لَكَ تَمْشِي سَاعَةً بَيْنَ يَدَيَّ، وَسَاعَةً خَلْفِي»، فقال: يا رسول الله، أذكر الطَّلَبَ فأمشي خلفك، ثم أذكر الرَّصَدَ فأمشي بين يديك، فقال: «يَا أَبَا بَكْرٍ، لَوْ كَانَ شَيْءٌ لَأَحْبَبْتَ أَنْ يَكُونَ بِكَ دُونِي؟» قال: نعم والذي بعثك بالحق، فلما انتهينا إلى الغار، قال أبو بكر: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار، فدخل فاستبرأه، ثم قال: انزل يا رسول الله [البيهقي في ((الدلائل)) (2/ 476)].
وقالت: ولننظر أيضًا كيف كانت هي روح الصداقة بين السلف الصالح، حيث روى عبد الله بن المبارك في كتاب الجهاد عن أبي جهم بن حذيفة العدوي قال: كان لي ابن عم جرح في المعركة فسقط فأخذت ماءً في إناء وقلت: أذهب إليه فإن وجدته حيًّا سقيته وبللته ببعض الماء، قال فجئت إليه فقلت له: تريد الماء؟ فقال: نعم، فسمع بجواره صوت جريحٍ يقول: آه، فأشار إليَّ أن اذهب به إليه، فذهبت به إليه فإذا هو هشام بن العاص أخو عمرو بن العاص، قال: فأعطيته إياه، فلما أراد أن يشربه سمع جريحًا ثالثًا يقول: آه، وهو ينشق -يعني: في حالة النزع- فأشار إلي أن اذهب به إليه، فذهبت به إليه فوجدته قد مات فرجعت إلى هشام فوجدته قد مات، ورجعت إلى ابن عمي فوجدته قد مات [كتاب الجهاد: ابن المبارك،97]، فهذا هو الصدق الذي يهدف لحماية حياة الصديق لا لتشويهه من أجل مشاهدات زائفة.


