رئيس دينية النواب: اختزال الأسرة في المصاريف والمسؤوليات اليومية أفقدها دورها الحقيقي
أكد الدكتور عمرو الورداني، رئيس اللجنة الدينية بمجلس النواب، أن هناك شعورًا متزايدًا لدى الناس بأنهم يعيشون حالة دائمة من التهديد، موضحًا أن هذا الإحساس ليس وهمًا، بل نتيجة لفقدان شيء أساسي في حياتنا.
هل سُرقت منا الطمأنينة وأصبحنا نعيش في تهديد دائم؟.. عمرو الورداني يجيب
وأضاف الورداني خلال حلقة برنامج مع الناس، أن الإنسان بطبيعته يدرك حاله الداخلي، مستشهدًا بقوله تعالى: بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، مؤكدًا أن هذا الشعور بالقلق وعدم الاكتمال يدفعنا لطرح أسئلة حقيقية حول ما نفتقده في بناء حياتنا وأسرنا.
وأوضح أن السؤال الجوهري الذي يجب أن يطرحه كل إنسان على نفسه هو: كيف نبني أبناءنا؟ وهل يقتصر هذا البناء على توفير الطعام والملبس والتعليم، أم يمتد ليشمل المعنى الحقيقي للحياة، من سكن ورحمة ومنظومة قيم متكاملة.
وأشار إلى أن اختزال الأسرة في إطار المصاريف والمسؤوليات اليومية أفقدها دورها الحقيقي، محذرًا من تحولها إلى مجرد كيان شكلي يخلو من الروح، في وقت يفترض أن تكون فيه مصدر الأمان الأول للإنسان.
ولفت إلى أن فقدان معنى السكن داخل البيت يؤدي إلى شعور عميق بالاغتراب، حيث تتحول الحياة الأسرية إلى مجموعة من الالتزامات الروتينية، دون وجود رابط إنساني حقيقي، وهو ما ينعكس سلبًا على الأبناء، الذين قد يلجأون إلى العزلة والانفصال عن محيطهم.
وأكد أن الأسرة في جوهرها ليست مجرد علاقة اجتماعية، بل هي حصن يحمي الإنسان، ومدرسة يتعلم فيها معاني الحياة، من الحب والرحمة والمسؤولية، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته.
وتابع أن غياب هذا الدور التربوي يجعل الإنسان يواجه الحياة دون فهم حقيقي لمعناها، مشيرًا إلى أن الأسرة هي الذاكرة الأولى للإنسان، ومنها تتشكل شخصيته وقيمه، ويتعلم من خلالها معنى الأمان أو التهديد.
وشدد الدكتور عمرو الورداني، على أن استعادة دور الأسرة الحقيقي هو السبيل لمواجهة حالة القلق المجتمعي، موضحًا أن البيت يجب أن يكون مكانًا للحياة لا مجرد مكان للنوم، ومصدرًا للمعنى لا مجرد إطار للمسؤوليات، حيث يتعلم الإنسان أن الحياة ليست مجرد مادة، بل علاقة ورحمة وانتماء.
لماذا يشعر أبناؤنا بفقدان المعنى وسط زحام الحياة؟
وأوضح أنه من خلال عمله في الإرشاد الأسري، يلاحظ تكرار نفس الأسئلة لدى الأبناء، خاصة في الأجيال الجديدة، مثل: من أنا؟ ولماذا أعيش؟ وما قيمة الحياة؟، مشيرًا إلى أن هذه التساؤلات أصبحت أكثر وضوحًا في أجيال مثل "جيل زد" وما بعده، وهو ما يعكس وجود خلل حقيقي داخل بنية الأسرة.
وأكد أن هذا الخلل لا يمكن تجاهله، بل يتطلب مواجهة صريحة، لافتًا إلى أن الجميع يتحمل مسؤولية ذلك، سواء الأسرة أو المؤسسات التربوية والدينية، مستشهدًا بقوله تعالى: "فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ".
وأشار إلى أن من أسباب تراجع تأثير الخطاب الديني فقدان دوره الاجتماعي الفعّال، مؤكدًا ضرورة استعادة هذا الدور، خاصة في قضايا الأسرة، التي لا تُحل بالقوانين فقط، بل تحتاج إلى وعي حقيقي يدرك أهميتها كركيزة أساسية في بناء الإنسان.
ولفت إلى أن التحليل المتكرر لمشكلات الأسرة يكشف عن عامل مشترك بينها، وصفه بالسيولة، موضحًا أن المجتمع يعيش حالة من السيولة في القيم والمعايير، حتى وإن لم يكن الجميع مدركًا لهذا المصطلح، إلا أنهم يشعرون بآثاره.
وأوضح أن هذه السيولة تظهر في تقديم المصلحة الفردية على مصلحة الأسرة، وفي تراجع قيم الصبر والمسؤولية، وهو ما يؤدي إلى تفكك العلاقات، وسهولة اتخاذ قرارات مصيرية دون تقدير لعواقبها، مثل الطلاق دون محاولة حقيقية للإصلاح.
وتابع أن العالم اليوم يفرض ضغوطًا هائلة على الإنسان، حيث تتدفق المعلومات بشكل غير مسبوق، لكن دون وجود بصيرة قادرة على التمييز، ما يؤدي إلى اضطراب المعايير الأخلاقية، التي أصبحت تتغير وفقًا للضغوط أو الترند.
وأشار إلى أن الأبناء يلاحظون هذه التناقضات بوضوح، حين يرون اختلافًا بين ما يُقال لهم من قيم وما يُمارس على أرض الواقع، وهو ما يعمّق لديهم الشعور بالارتباك وفقدان الثقة.
وشدد الدكتور عمرو الورداني، على أن استعادة تماسك الأسرة يبدأ بإعادة الاعتبار للقيم والمعايير الثابتة، وبناء وعي حقيقي يحمي الإنسان من حالة السيولة التي تهدد استقراره النفسي والاجتماعي، مؤكدًا أن الأسرة يجب أن تظل حصنًا للأمان ومصدرًا للمعنى في حياة الإنسان.


