هل ترتفع أسعار الشقق بعد الإقبال الهائل على أسهم الشركات العقارية؟.. شعبة التطوير العقاري تحسم الجدل
تصدر قطاع العقارات المشهد في البورصة المصرية خلال تعاملات الأسبوع المنقضي، مستحوذًا على نحو 29.3% من إجمالي قيم التداول، بقيمة بلغت 3.14 مليار جنيه، وفقًا للتقرير الأسبوعي للبورصة المصرية.
ويأتي ذلك في أداء يعكس استمرار الزخم الكبير على أسهم القطاع واتجاه جزء كبير من السيولة نحوه، وفي ظل هذا النشاط الملحوظ، يتساءل المواطنون والمستثمرون حول ما ذا كان ما يحدث في البورصة مؤشر على موجة صعود جديدة في أسعار العقارات خلال الفترة المقبلة أم لا؟
اتجاهات الاستثمار خلال الفترة المقبلة
في هذا الصدد، قال الدكتور محمد راشد عضو غرفة التطوير العقاري، إنه حين تستحوذ أسهم قطاع واحد على ما يقرب من ثلث التداولات داخل البورصة المصرية، فإن الأمر يتجاوز حدود الأداء المالي للشركات المدرجة، ليعكس قراءة أعمق من جانب المستثمرين لاتجاهات الاقتصاد المصري ومستقبل توزيع الثروة والاستثمار خلال السنوات المقبلة.
وأضاف خلال تصريحات لــ القاهرة 24، أنه خلال الأسبوع المنتهي في يونيو 2026 استحوذ قطاع العقارات على نحو 29.3% من إجمالي قيم التداول بالبورصة المصرية بقيمة تجاوزت 14.6 مليار جنيه، متفوقًا على قطاعات تاريخيًا كانت تمثل قاطرة الاستثمار المؤسسي مثل البنوك والخدمات المالية والصناعة والموارد الأساسية، ولم تكن هذه المرة الأولى، فقد تصدر القطاع أيضًا تداولات شهر مارس 2026 بحصة بلغت 17.5% من إجمالي السوق، ما يؤكد أن الأمر يمثل اتجاهًا استثماريًا ممتدًا وليس مجرد موجة مضاربية قصيرة الأجل.
وواصل: السؤال الأكثر أهمية ليس لماذا ارتفعت تداولات العقارات، بل لماذا يفضل المستثمر المصري اليوم شراء سهم عقاري على الاستثمار في قطاعات إنتاجية تحقق نموًا تشغيليًا مباشرًا، الإجابة تبدأ من طبيعة الاقتصاد المصري نفسه. فعلى مدار العقد الأخير تحول القطاع العقاري من مجرد نشاط اقتصادي إلى أحد أكبر أوعية حفظ الثروة في البلاد. وتشير تقديرات السوق إلى أن القطاع يساهم بما يقارب 20% من الناتج المحلي الإجمالي ويوفر ملايين فرص العمل المباشرة وغير المباشرة ويرتبط بأكثر من 80 صناعة وأنشطة اقتصادية تبدأ من الأسمنت والحديد وتنتهي بالأثاث والتكنولوجيا والخدمات المالية. بمعنى آخر، عندما يشتري المستثمر سهمًا في شركة عقارية كبرى فهو لا يشتري مشروعًا سكنيًا فقط، بل يشتري تعرضًا استثماريًا لمنظومة اقتصادية كاملة تمثل خُمس الاقتصاد المصري تقريبًا.
خبير تطوير عقاري: المستثمر المصري أكثر حساسية تجاه الأصول القادرة على الاحتفاظ بالقيمة
واستكمل الدكتور محمد راشد: معظم شركات التطوير العقاري الكبرى المدرجة تمتلك محافظ أراضٍ تم الحصول عليها قبل سنوات طويلة بأسعار أصبحت اليوم جزءًا ضئيلًا من قيمتها السوقية الحالية، لذلك ينظر المستثمرون إلى هذه الشركات باعتبارها “صناديق أراضٍ ضخمة” أكثر من كونها شركات بيع وحدات. وفي كثير من الحالات لا تزال القيمة السوقية للشركات أقل من القيمة العادلة لأصولها بعد إعادة تقييم الأراضي والمشروعات المستقبلية، وهذا الفارق بين القيمة الدفترية والقيمة الاقتصادية الحقيقية هو ما يجذب رؤوس الأموال الذكية الباحثة عن فرص إعادة التقييم.
تابع خبير التطوير العقاري: العامل الثالث يرتبط بالتحولات النقدية والمالية التي شهدتها مصر منذ 2022، فبعد سنوات من التضخم المرتفع وتراجع القوة الشرائية للنقد، أصبح المستثمر المصري أكثر حساسية تجاه الأصول القادرة على الاحتفاظ بالقيمة، وبينما تمثل الودائع أداة لحفظ السيولة، وتمثل الأسهم الصناعية رهانًا على النشاط الاقتصادي، فإن العقار يمثل في الثقافة الاستثمارية المصرية رهانًا مزدوجًا على النمو والتحوط في آن واحد، وهذه القناعة انتقلت تلقائيًا إلى البورصة. فبدلًا من شراء وحدة عقارية بملايين الجنيهات وانتظار سنوات لتحقيق عائد رأسمالي، أصبح المستثمر قادرًا على شراء أسهم شركات تمتلك آلاف الأفدنة ومليارات الجنيهات من الأصول السكنية والتجارية والفندقية، مع سيولة يومية وقدرة على التخارج في أي وقت.
هل أسعار العقارات مرشحة للزيادة في 2026؟
أكد محمد راشد، أن هناك زاوية أكثر عمقًا يجب الانتباه إليهاـ فإذا كان الاقتصاد المصري يسجل نموًا حقيقيًا تجاوز 5% وفق بيانات وزارة التخطيط، وإذا كانت الدولة تتجه تدريجيًا إلى خفض أسعار الفائدة مع انحسار موجات التضخم مقارنة بذروتها السابقة، فإن المستثمرين يبدأون تلقائيًا في إعادة توزيع أموالهم من الأدوات النقدية إلى الأصول القادرة على تحقيق نمو رأسمالي أعلى. وفي هذه اللحظة تحديدًا يظهر القطاع العقاري كأحد أكبر المستفيدين، لكن هل يعني ذلك أن المستثمرين يتوقعون ارتفاعًا جديدًا في أسعار الشقق. الإجابة ليست بهذه البساطة، فالخطأ الشائع هو افتراض وجود علاقة مباشرة بين ارتفاع أسهم شركات التطوير العقاري وارتفاع أسعار الوحدات السكنية.
وأردف أن البورصة تنظر إلى المستقبل بينما العقار يعكس الحاضر، مشيرًا إلى أنه قد ترتفع أسهم شركة عقارية لأن السوق يتوقع زيادة أرباحها أو نجاحها في تطوير مشروعات تجارية أو فندقية أو تحقيق تدفقات نقدية أعلى أو إعادة تقييم أصولها، حتى لو تباطأت مبيعات الوحدات السكنية نفسها، بل إن بعض المستثمرين يشترون الأسهم العقارية تحديدًا لأنهم يتوقعون تحسنًا في كفاءة الشركات وليس بالضرورة انفجارًا جديدًا في أسعار العقارات، ومع ذلك لا يمكن تجاهل الرسالة التي تبعثها البورصة. فعندما تستحوذ العقارات على ما يقرب من ثلث السيولة المتداولة فإن الأسواق تقول بوضوح إن المستثمرين ما زالوا يرون في الأصول العقارية المصرية مخزنًا للقيمة وأداة استثمار طويلة الأجل قادرة على تجاوز التقلبات الاقتصادية.
واستطرد: لكن هذا لا يعني أن السوق السكني يمتلك القدرة على استيعاب زيادات سعرية مفتوحة بلا حدود. فهناك واقع جديد يفرض نفسه بقوة. أسعار العقارات في مصر ارتفعت بمعدلات استثنائية خلال السنوات الأخيرة بينما لم تنمُ الدخول بنفس الوتيرة، وأصبحت القدرة الشرائية للأسر هي العامل الأكثر تأثيرًا في قرارات الشراء، وهو ما يفسر اتجاه الشركات إلى فترات سداد تتجاوز عشر سنوات، وظهور أدوات تمويلية جديدة للحفاظ على معدلات المبيعات. كما تشير تقديرات السوق إلى أن عام 2026 قد يكون أقرب إلى عام استقرار وإعادة توازن منه إلى عام قفزات سعرية استثنائية.
وأضاف: ومن هنا فإن قراءة استحواذ العقارات على 29% من تداولات البورصة باعتبارها مؤشرًا مؤكدًا على ارتفاع أسعار الشقق قد تكون قراءة ناقصة، والأقرب إلى الواقع أن المستثمرين يراهنون على قوة الشركات العقارية وليس فقط على ارتفاع سعر المتر، إنهم يراهنون على محافظ الأراضي، وعلى المدن الجديدة، وعلى التوسع التجاري والإداري والفندقي، وعلى قدرة القطاع على الاستفادة من التحولات الديموغرافية والعمرانية التي تشهدها مصر.
واختتم: الرسالة الحقيقية التي ترسلها البورصة ليست أن العقار سيرتفع غدًا، بل أن رأس المال المصري ما زال يعتبر العقار أكبر قصة استثمارية في الاقتصاد الوطني. والسؤال الذي يجب أن يشغل صناع القرار اليوم ليس لماذا تتدفق السيولة إلى العقارات، بل كيف يمكن خلق قطاعات إنتاجية وصناعية وتكنولوجية تمتلك الجاذبية نفسها، حتى يصبح النمو الاقتصادي أكثر توازنًا وقدرة على توليد القيمة المضافة والتشغيل والتصدير، فحين تستحوذ العقارات وحدها على ثلث السيولة، لا يكون ذلك مجرد نجاح للقطاع العقاري، بل رسالة واضحة حول خريطة الثقة الاستثمارية في الاقتصاد المصري بأكمله.




