قصص المونديال| عازف الليل وسط شظايا الحرب.. كيف صنع الفقر والرصاص أسطورة لوكا مودريتش؟
لم تكن الموسيقى التي تعزفها أقدام لوكا مودريتش في ملاعب كأس العالم وليدة صدفة، بل كانت نغمات حزينة كُتبت نوتتها الأولى وسط دوي المدافع، وصهرتها نيران حرب البلقان، لتصنع واحدًا من أعظم لاعبي خط الوسط في تاريخ الساحرة المستديرة.
كيف صنع الفقر والرصاص أسطورة لوكا مودريتش؟
قبل أن تصفق له الملايين في روسيا وقطر وتستمر الرحلة إلى كأس العالم 2026، وتُوج بالكرة الذهبية كاسرًا هيمنة ميسي ورونالدو، كان الفتى النحيل يركض في اتجاه واحد فقط: الهروب من الموت.
الليلة التي ماتت فيها الطفولة
في شتاء عام 1991، وتحديدًا في قرية جبلية معزولة تُدعى "مودريتشي"، كان الطفل لوكا، صاحب السنوات الست، يقضي نهاره يراقب جده وبطله الخارق الذي يحمل نفس الاسم "لوكا"، وهو يرعى الأغنام على سفح الجبال.
لكن الحرب لا ترحم براءة الأطفال. في ليلة مظلمة، اقتحمت ميليشيات مسلحة القرية، واقتادت الجد العجوز ليتعرض للاغتيال بدم بارد أمام أعين أهل القرية. لم تحترق في تلك الليلة جدران منزلهم المتواضع فحسب، بل احترقت طفولة لوكا كاملة. هربت العائلة تحت جنح الظلام، لا تملك سوى الملابس التي ترتديها، متجهة نحو المجهول.
فندق كولوفاري.. كرة تدور بين غارات الموت
استقرت العائلة اللاجئة في مدينة زادار الساحلية، داخل غرفة ضيقة بـ فندق كولوفاري المخصص للاجئين. هناك، حيث النوافذ المحطمة ومظاهر الفقر التي تكسو المكان، وفي بلد تنام وتستيقظ على أصوات إنذار الغارات الجوية، وجد لوكا ملاذه الوحيد كرة قدم قديمة.
يتذكر مدير الفندق تلك الأيام قائلًا: كان لوكا يكسر نوافذ الفندق بكرته أكثر مما تكسره قنابل الطائرات!.
عندما كانت تطلق صافرات الإنذار، ويركض الجميع بذعر نحو الملاجئ تحت الأرض، كان والدا لوكا يسحبانه وهو يتشبث بكرته. كانت كرة القدم بالنسبة له ليست مجرد لعبة، بل درعًا واقيًا يمنع أذنيه الصغيرتين من سماع صوت الانفجارات التي تهز المدينة.
واقي خشب
رغم العوز والفقر الشديد، اقتطع والده من قوت الأسرة ليسجل لوكا في أكاديمية محليّة. ولأن تأمين المعدات الرياضية كان رفاهية لا تملكها العائلة، ابتكر الأب حلًا تكتيكيًا؛ ونحت "واقي قصبة ساق" (Shin guards) من الخشب ليرتديه لوكا في التدريبات حمايةً لساقيه النحيلتين.
لكن الصدمة الأكبر لم تأتِ من الحرب، بل من كرة القدم نفسها. عندما بلغ لوكا 12 عامًا، تقدم للاختبار في نادي هايدوك سبليت (نادي طفولته المفضّل)، وجاء قرار كشّافي النادي كالصفعة: إنه نحيل جدًا، قصير القامة، ويبدو ضعيفًا.. لن يصبح لاعب كرة قدم أبدًا، ابحثوا له عن مهنة أخرى. عاد لوكا إلى غرفته بالفندق يبكي بحرقة، ظنًا أن حلمه تبخر قبل أن يبدأ.
لم يستسلم الأب، ولم ينكسر الفتى. التقطه كشافو نادي دينامو زغرب في سن الـ 16، ولكي يختبروا صلابته الجسدية، قرروا إعارته وهو في سن الـ 18 إلى نادي زرينيسكي موستار في الدوري البوسني؛ الدوري الذي كان يُصنف وقتها كأعنف بطولة في أوروبا بسبب التدخلات البدنية المرعبة والجماهير المتعصبة.
هناك، تعلم الفتى كيف يحمي نفسه. استخدم خفته وسرعة بديهه ليتفادى التحامات المدافعين العمالقة. قال مودريتش عن تلك التجربة لاحقًا: اللاعب الذي يستطيع الصمود والنجاح في الدوري البوسني، يمكنه اللعب في أي مكان في العالم.
المنصة الأخيرة.. بكاء في المدرجات ومجد بالتاريخ
في صيف 2018، وتحت أمطار موسكو، وقف لوكا مودريتش شامخًا، يتسلم جائزة أفضل لاعب في العالم. في تلك اللحظة، ركزت عدسات الكاميرات على المدرجات، حيث انهمرت دموع والديه اللذين تذكرا تلك الغرفة الضيقة في فندق اللاجئين، والواقي الخشبي، والطفل الذي قيل له يومًا "لن تصبح لاعبًا".
في النهاية ذكر لوكا مذكراته بجملة تلخص رحلته الأسطورية: الأشياء التي عشتها في طفولتي جعلتني قويًا في رأسي.. عندما تمر بكل ذلك الخوف والفقر في صغرك، لا يمكن لمباراة كرة قدم أو ضغط جماهيري أن يخيفك مجددًا.






