من غلق أبواب الهروب إلى وقف نزيف الدولار.. كيف أعاد محمد عبد اللطيف الانضباط داخل المدارس الدولية؟ | تقرير
لم يعد ملف المدارس الدولية في مصر كما كان قبل أشهر قليلة، فما اعتبره كثيرون لسنوات "منطقة استثنائية" لها قواعدها الخاصة، أصبح اليوم أمام واحدة من أكبر موجات إعادة التنظيم في تاريخ التعليم الدولي، بعد سلسلة قرارات وإجراءات اتخذها وزير التربية والتعليم والتعليم الفني محمد عبد اللطيف، استهدفت ضبط المنظومة، وإغلاق الثغرات التي تراكمت عبر سنوات، وفرض قواعد موحدة على جميع المدارس الدولية.
ولم تقتصر الإجراءات على ملف واحد، بل امتدت من تنظيم التحويلات، إلى حماية الهوية الوطنية، مرورًا بوقف ما وصفه أولياء أمور بـ"بيزنس الدولارات" في اعتماد شهادات الدبلومة الأمريكية، وحسم الجدل حول "الهوم سكولينج"، وتشديد الرقابة على المدارس المخالفة، وصولًا إلى فرض معايير أكثر صرامة في الانضباط الإداري والأكاديمي.
أولًا.. نهاية التحويلات المتأخرة إلى المدارس الدولية
أحد أبرز القرارات التي أثارت اهتمام أولياء الأمور، كان وضع ضوابط جديدة للتحويل إلى المدارس الدولية.
وبموجب القرار، لن يسمح اعتبارًا من العام الدراسي 2026/2027 بتحويل طلاب الصف الثالث الثانوي إلى المدارس الدولية، بينما سيكون العام الدراسي المقبل هو الفرصة الأخيرة لقبول تحويلات الصف الثاني الثانوي، على أن يقتصر التحويل بداية من 2027/2028 على طلاب الصف الأول الثانوي فقط.
وترى الوزارة أن الدراسة في الأنظمة الدولية تقوم على مسار أكاديمي متكامل يبدأ منذ الصف الأول الثانوي، وأن الانتقال في السنوات النهائية يخلق فجوة تعليمية ويؤثر على مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب.
ثانيًا.. حسم الجدل وإغلاق باب "الهوم سكولينج"
وفي خطوة أخرى، أغلقت وزارة التربية والتعليم الباب أمام أي محاولات لتطبيق نظام "الهوم سكولينج" داخل المدارس الدولية.
وأكدت الوزارة أن الدراسة المنزلية غير معتمدة في مصر، ولم تصدر أي تراخيص لأي مدرسة لتطبيق هذا النظام، محذرة من التعامل مع أي جهات أو كيانات تروج له.
كما شددت على أن أي مدرسة يثبت تورطها في تطبيق النظام أو قبول طلاب بنظام "الهوم سكولينج" بالمخالفة للقانون والقرارات الوزارية، ستتعرض للمساءلة القانونية.
وجاء هذا الحسم بعد رصد الوزارة عددًا من المدارس التي خالفت اللوائح المنظمة للعملية التعليمية وقبلت طلابًا خارج الأطر القانونية.
ثالثًا.. إعادة الاعتبار لمواد الهوية القومية
شهد ملف مواد الهوية القومية أكبر عملية إعادة تنظيم داخل المدارس الدولية، بعدما قررت وزارة التربية والتعليم إدراج درجات مادتي اللغة العربية والدراسات الاجتماعية ضمن المجموع الكلي للطالب، بحيث تمثل كل مادة 10% من إجمالي المجموع، بإجمالي 20% للمادتين، إلى جانب تشديد ضوابط النجاح في مادة التربية الدينية، واشتراط حصول الطالب على نسبة نجاح لا تقل عن 70%..
كما أكدت الوزارة التزام جميع المدارس الدولية بتدريس اللغة العربية في مرحلة رياض الأطفال، واللغة العربية والتربية الدينية من الصف الأول حتى الثالث، ثم إضافة الدراسات الاجتماعية بدءًا من الصف الرابع وحتى الصف التاسع، وفق المناهج المصرية المقررة.
وجاءت نتائج نهاية العام لتكشف حجم المشكلة، بعدما ارتفعت نسب الرسوب في اللغة العربية والدراسات الاجتماعية والتربية الدينية بين طلاب النقل والشهادة الإعدادية بالمدارس الدولية.
وفي المقابل، رصدت الوزارة مدارس أعلنت نسب نجاح بلغت 100% في مواد الهوية، ما دفعها إلى إرسال لجان متابعة، لتكتشف في 12 مدرسة أن أوراق إجابة الطلاب كانت خالية تمامًا من الإجابات، بينما حصل أصحابها على الدرجات النهائية.
وعلى الفور، اتخذت الوزارة الإجراءات القانونية بحق المدارس المخالفة، مؤكدة أن مواد الهوية ليست مواد شكلية، وإنما ترتبط بتعزيز الانتماء والهوية الوطنية، وأنه "لا توجد دولة في العالم لا تُدرّس لغتها لأبنائها".
رابعًا.. وقف "بيزنس ختم الشهادات" بالدولار
في واحدة من أكثر القرارات تأثيرًا على أولياء الأمور، أنهت وزارة التربية والتعليم فوضى اعتماد شهادات الدبلومة الأمريكية، والتي ظلت لسنوات مرتبطة بالحصول على ختم إحدى جهات الاعتماد الأجنبية مقابل رسوم تُسدد بالدولار الأمريكي.
وقرر الوزير محمد عبد اللطيف قصر اعتماد شهادات الدبلومة الأمريكية داخل مصر على وزارة التربية والتعليم فقط، من خلال لجنة تضم ممثلين عن المركز القومي للامتحانات وجمعية المدارس الدولية والتعليم الخاص، لتصبح الوزارة هي الجهة الوحيدة المخولة باعتماد الشهادات.
وبهذه الخطوة، أُغلق أحد أكبر منافذ تحصيل العملة الأجنبية داخل المدارس الدولية، بعدما أصبح ولي الأمر غير ملزم بسداد أي رسوم بالدولار للحصول على ختم مؤسسة "كوجنيا" الأمريكية أو أي جهة اعتماد أجنبية، وأصبح اعتماد الوزارة وحده كافيًا لالتحاق الطالب بالجامعات المصرية.
كما شدد الوزير على حظر تحصيل أي رسوم مقابل ختم الشهادة، موجهًا بوضع أي مدرسة تخالف القرار أو تحصل مبالغ من أولياء الأمور تحت الإشراف المالي والإداري فورًا.
خامسًا.. حملات رقابية تكشف مخالفات في 32 مدرسة دولية
بالتوازي مع القرارات التنظيمية، كثفت الإدارة العامة للتعليم الخاص والدولي، برئاسة محمد عزت، حملات التفتيش والرقابة على المدارس الدولية، لتكشف خلال فترة قصيرة مخالفات جسيمة في 32 مدرسة موزعة على 7 محافظات.
وتنوعت المخالفات بين تشغيل مدارس دون تراخيص، وقبول طلاب بأعداد تتجاوز الكثافات القانونية، وقبول طلاب بنظام "الهوم سكولينج" بالمخالفة للقانون، فضلًا عن مخالفات تتعلق بملف الدبلومة الأمريكية واعتماد الشهادات.
وشملت المدارس المخالفة 19 مدرسة بمحافظة الجيزة، و4 مدارس بالقاهرة، ومدرستين بالإسكندرية، ومدرستين بالمنوفية، ومدرستين بسوهاج، ومدرسة بأسيوط، ومدرستين بالبحر الأحمر، حيث بدأت الوزارة اتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية بحقها.
سادسًا.. منع التمييز في قبول الطلاب
كما حسمت الوزارة الجدل بشأن اشتراط بعض المدارس حصول الأب أو الأم على مؤهل جامعي لقبول الطلاب.
وأكدت بشكل قاطع أنه لا يوجد أي قرار أو نص قانوني يشترط مؤهلًا دراسيًا لولي الأمر، وأن حق الالتحاق بالمدارس لا يرتبط بالمستوى التعليمي أو الاجتماعي للأسرة.
ودعت الوزارة أولياء الأمور إلى الإبلاغ عن أي مدرسة تفرض مثل هذه الاشتراطات، مؤكدة اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.
لا استثناءات.. ما المقصود من القرارات؟
من وجهة نظر خبراء التربية، فإن القرارات الأخيرة تعكس توجها واضحًا لإعادة رسم خريطة التعليم الدولي في مصر، عبر فرض قواعد موحدة على جميع المدارس، وإغلاق الثغرات التي سمحت لسنوات بممارسات غير منضبطة، سواء في التحويلات، أو نظم الدراسة، أو اعتماد الشهادات، أو تدريس مواد الهوية، أو إجراءات القبول.
كما تؤكد حملات التفتيش الأخيرة أن الوزارة انتقلت من مرحلة إصدار القرارات إلى مرحلة التطبيق الصارم على أرض الواقع، من خلال مواجهة المخالفات واتخاذ إجراءات قانونية وإدارية ضد المدارس غير الملتزمة.
وبينما يرى كثيرون أن هذه الإجراءات تمثل أكبر عملية إصلاح شهدها قطاع التعليم الدولي خلال السنوات الأخيرة، تؤكد وزارة التربية والتعليم أن الهدف النهائي هو ضمان جودة التعليم، وحماية حقوق الطلاب وأولياء الأمور، وترسيخ مبادئ العدالة والانضباط داخل جميع المدارس العاملة في مصر، دون استثناء.


