من سرق الأحلام؟!
في عالم أصبح مليء بالقسوة، تُقتل فيه الأحلام كل يوم، من البديهي أن يتحول معه المستقبل إلى غمامة أشد ضراوة من حاضره، لأن الأحلام لن تعد تولد من الأصل كما كانت في السابق، ففكرة الحلم سيتم وأدها قبل أن ترى النور، وسط أناس امتلأت قلوبهم بالجفاء والتسلط.. أبسط الحقوق يسلبها القوي من الضعيف، ويغتلسها الغني من الفقير.. إنه حين تغيب الفطرة السليمة التي خلق الله الإنسان عليها لا تنتظر شيئًا، لأن شيئا واحدًا لن يكون.
في ظاهر الأمر يبدو أن الأحلام وحدها هي التي تُقتل أو يتم وأدها من الأساس، لكن في حقيقته هناك أرواح تزهق كل يوم ألف مرة في صمت شديد، وأجساد تنهك من السعي خلف سراب محكوم عليه بالفشل قبل انطلاقه، وعقول تموت كل لحظة وهي تحاول أن تتكيف مع واقع أليم أشد في مرارته من طعم العلقم، متسائلة.. لماذا نحن هنا؟ ولماذا ليس من حقنا مجرد الحلم؟ ولماذا كل محاولاتنا محكومٌ عليها بالفشل المسبق؟ في حين أن هناك من يحلم بلا حدود، وهناك من لا يرانا إلا سُلَّمًا لأحلامه المكتوب لها النجاح دون أن تشرع في الانطلاق.
المأساة الحقيقية أنه قبل ذلك كنا نعاني من القاسية قلوبهم، لكن الرحماء كانوا بيننا يلطفون من أفسده القساة، ويصلحون ما أخلفوه من آلام وأحزان، لكن اليوم حُرمنا حتى يد واحدة حانية تمسح الرؤوس وتطيب الخواطر المجروحة.. فضاقت بأحلامنا السبل وانقضت الحيل واستسلمنا لذلك الواقع، رضينا بالاستسلام والخنوع، حتى وإن كان العقل لا يزال مستمسكًا بأوهامه يحاول أن لا يصدق حقيقة الأمر.
إنه يا عزيزي حين تنهار الأحلام، لا يسقط معها أصحابها فقط فقط، بل تسقط أجيال كاملة، ستدرك مبكرًا أن الطموح مجرد كلمة قد يجعلها بعض اللغويين ممنوعة من الصرف كما جعلها غيرهم ممنوعة من العقل، وأن الحلم تجربة خاسرة لا محالة، وأن الانسحاب أكثر سلامة وضمانا للقلب من المحاولة، وإن شئت فقل المخاطرة.
تحليل هذا الواقع "ويؤسفني أن أقول واقعا وليس مجرد ظاهرة" لا يمكن دون أن نجد إجابة للسؤال.. من سرق الأحلام؟.
الإجابة عن هذا السؤال هي الأهم وليست حملات التعاطف التي لا تستغرق أكثر من يومين أو ثلاثة قبل أن يتوم وأدها هي الأخرى، وكأن شيئًا لم يكن.
نهاية، وخلاصة للقول، سواء وجدنا الإجابة عن السؤال أم لا، لابد وأن يعي كل من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد أنه لن تنهض أمة أو مؤسسة دون أحلام تبني المستقبل وآمال تحمل الخير لغدٍ مشرق، ولن يولد حلم دون عدل ورحمة وتغليب الفطرة السليمة على كل ما عداها.




