السبت 05 سبتمبر 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

ربع قرن يبحثون عن قطرة مياه.. سكان قريتي ري 3 و4 جنوب بورسعيد: الأمراض الجلدية وأمراض الكلى تأكل أجسادنا| صور

معاناة المواطنين
محافظات
معاناة المواطنين جنوب بورسعيد
الخميس 23/يوليو/2026 - 12:03 م

على امتداد طريق طويل في جنوب بورسعيد، يعيش أهالي قريتي ري 3 و4 سرحان واحدة من أقسى صور المعاناة الإنسانية التي يصعب أن يتخيلها عقل، هنا لا يدور الحديث عن رفاهية أو خدمات إضافية، بل عن أبسط حق يمكن أن يحصل عليه أي إنسان، وهو الحصول على مياه نظيفة للشرب.

ربع قرن يبحثون عن قطرة مياه.. سكان قريتي ري 3 و4 جنوب بورسعيد: الأمراض الجلدية وأمراض الكلى تأكل أجسادنا

26 عامًا كاملة مرت على سكان القريتين وهم يخرجون كل صباح بحثًا عن جراكن المياه، وكأن رحلة الحصول على كوب ماء أصبحت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، الأطفال كبروا وهم يرون آباءهم يحملون الجراكن، والشباب أصبحوا آباءً يكررون الرحلة نفسها، بينما الشيوخ أنهكتهم السنوات وما زالوا ينتظرون وصول المياه إلى منازلهم.

داخل القريتين لا توجد شبكة مياه شرب تصل إلى البيوت، لذلك يقطع الأهالي عشرات الكيلومترات يوميًا لشراء المياه على نفقتهم الخاصة، رحلة شاقة تستنزف الوقت والمال والجهد، ورغم ذلك يعودون أحيانًا بجراكن مياه قليلة، لا تكفي احتياجات الأسرة، بل تكون في كثير من الأحيان عكرة وغير صالحة للاستخدام الآدمي بالشكل المطلوب.

يحكي الأهالي أنهم اضطروا للتأقلم مع واقع لم يختاروه، يملؤون الزجاجات بالمياه العكرة ثم يتركونها ساعات طويلة حتى تترسب الشوائب في القاع، وبعدها يشربونها مضطرين، لأن البديل هو العطش، لا أحد منهم يثق في جودة هذه المياه، لكن الجميع يشربها لأنه لا يملك خيارًا آخر.

ومع مرور السنوات، بدأت الأمراض تفتك بأجساد السكان،  كبار السن كانوا أول الضحايا، إذ يؤكد الأهالي أن كثيرين منهم تدهورت حالتهم الصحية بسبب الاعتماد على مياه غير آمنة، بينما ظهرت مشكلات صحية متكررة بين الأطفال الذين بدأوا حياتهم وسط هذه الظروف القاسية.

لكن الكارثة الأكبر لا تتوقف عند مياه الشرب، فالأهالي يؤكدون أنهم يستخدمون مياه الصرف الصحي في حياتهم اليومية، منها يستحمون، ومنها يغسلون ملابسهم، ومنها ينظفون أواني الطعام، بل ويغسلون بها الأرز والخضروات قبل تناولها، لأنهم لا يجدون مصدرًا آخر للمياه يمكن الاعتماد عليه.

ويصف السكان ما يعيشونه بأنه وضع يفوق قدرة البشر على الاحتمال، فالمياه التي كان من المفترض أن تكون وسيلة للحياة أصبحت سببًا مباشرًا في المرض.

داخل القرية تبدو آثار ذلك واضحة على وجوه الأطفال وأجسادهم، حالات الحساسية الجلدية أصبحت مشهدًا معتادًا، وطفح جلدي لا يكاد يفارق معظم الصغار نتيجة الاستحمام بمياه الصرف الصحي، ويؤكد الأهالي أن أمراض الكلى أصبحت منتشرة بين عدد من السكان، إلى جانب مشكلات صحية أخرى يرون أنها ترتبط بشكل مباشر بنوعية المياه التي يضطرون لاستخدامها.

ولا ينجو الرجال أيضًا من هذه المعاناة، إذ تظهر على كثير منهم آثار الأمراض الجلدية الناتجة عن استخدام مياه الصرف في الوضوء والاستحمام، بينما تتحمل السيدات العبء الأكبر في محاولة توفير المياه لأطفالهن وأسرهن، وسط ظروف معيشية قاسية تزداد صعوبة يومًا بعد يوم.

معاناة الأهالي جنوب بورسعيد 
معاناة الأهالي جنوب بورسعيد 
معاناة الأهالي جنوب بورسعيد 
معاناة الأهالي جنوب بورسعيد 
لا يوجد مياه للوضوء 
لا يوجد مياه للوضوء 
الأطفال يتعلمون بالمسجد 
الأطفال يتعلمون بالمسجد 
جراكن الحياة للبحث عن المياه 
جراكن الحياة للبحث عن المياه 
الوضوء بمياه الصرف الصحي 
الوضوء بمياه الصرف الصحي 
إصابة الصغار بأمراض جلدية 
إصابة الصغار بأمراض جلدية 
مياه عكرة للشرب بجنوب بورسعيد 
مياه عكرة للشرب بجنوب بورسعيد 
مياه عكرة للشرب بجنوب بورسعيد 
مياه عكرة للشرب بجنوب بورسعيد 
مياه الوضوء من الصرف الصحي 
مياه الوضوء من الصرف الصحي 

وفي المسجد، الذي يفترض أن يكون مكانًا للطهارة والسكينة، تتجسد صورة أخرى من صور الأزمة، فلا توجد مياه داخل المسجد، الأمر الذي دفع الأهالي إلى تركيب موتور لرفع مياه الصرف الصحي حتى يتمكن المصلون من الوضوء قبل الصلاة، مشهد يصفه السكان بأنه مؤلم، مؤكدين أنهم لم يكونوا يتخيلون يومًا أن يصل بهم الحال إلى استخدام مياه الصرف الصحي في أداء شعائرهم الدينية، لكن انعدام البديل أجبرهم على ذلك.

ورغم أن أزمة المياه هي الهم الأكبر، فإنها ليست المشكلة الوحيدة التي تطارد سكان القريتين، فالعملية التعليمية تكاد تكون غائبة تمامًا. لا توجد سوى مدرسة واحدة تبعد عدة كيلومترات عن المنازل، ويؤكد الأهالي أنها لا تعمل سوى نحو 30 دقيقة يوميًا، وتعاني نقصًا شديدًا في المعلمين، وهو ما دفع العديد من الأسر إلى تعليم أبنائها داخل المساجد حتى يتمكنوا على الأقل من تعلم القراءة والكتابة، خوفًا من أن يكبروا وهم لا يعرفون فك الحروف.

ويقول الأهالي إن أبناءهم ليس لهم ذنب في أن يولدوا داخل قرية تفتقد أبسط مقومات الحياة، وإنهم يحاولون إنقاذ مستقبلهم بأي وسيلة ممكنة، حتى لو كانت الإمكانيات شبه معدومة.

أما الرعاية الصحية، فهي أزمة أخرى تزيد من معاناة السكان، فالقريتان لا تضمان أي وحدة صحية أو نقطة إسعاف، ما يجبر المرضى على قطع مسافات طويلة للوصول إلى مستشفى 30 يونيو، وفي الحالات الطارئة تتحول رحلة العلاج إلى سباق مع الزمن، خاصة مع بعد المسافة وصعوبة الانتقال، وهو ما يجعل المرض البسيط أحيانًا يتحول إلى خطر يهدد حياة المريض قبل وصوله إلى المستشفى.

ولا تتوقف الأزمات عند هذا الحد، فالكهرباء لا تزال حلمًا بالنسبة لعدد كبير من الأسر. ويؤكد الأهالي أن الجهة المختصة أبلغتهم بتحمل تكلفة توصيل الكهرباء، وهي مبالغ لا يستطيع معظم السكان توفيرها، لتبقى البيوت غارقة في الظلام مع حلول الليل.

ولهذا السبب، لا يزال كثير من الأهالي يعتمدون على لمبة الجاز في الإنارة، بينما يجلس الأطفال ليلًا للمذاكرة على ضوء النار أو المصابيح البدائية، في مشهد يعيد الحياة عشرات السنين إلى الوراء، رغم أن العالم يعيش عصر التكنولوجيا والمدن الذكية.

ويؤكد سكان ري 3 و4 سرحان أنهم طرقوا أبواب المسؤولين مرات عديدة على مدار السنوات الماضية، ورفعوا مطالبهم أكثر من مرة، لكن أوضاعهم لم تتغير، وما زال حلم وصول مياه الشرب إلى منازلهم مؤجلًا منذ أكثر من ربع قرن.

ويشدد الأهالي على أن مطلبهم الأول والأخير هو توصيل مياه الشرب بشكل عاجل، مؤكدين أن بقية المشكلات يمكن التعامل معها تدريجيًا، أما استمرار انقطاع المياه فيعني استمرار المرض والمعاناة وربما فقدان المزيد من الأرواح.

جراكن المياه العكرة

وبين جراكن المياه العكرة، ولمبات الجاز، ومياه الصرف الصحي، ومدرسة شبه متوقفة، ومستشفى بعيد، يعيش مئات المواطنين في ظروف لا تليق بحياة البشر، منتظرين قرارًا يعيد إليهم حقًا بسيطًا تأخر 26 عامًا، ويعيد لهم حقهم في قطرة ماء نظيفة.

تابع مواقعنا