من طوكيو إلى المدارس المصرية.. ماذا تريد التعليم من اليابان؟ | تقرير
أمس وخلال عرض تفاصيل مناهج البكالوريا المصرية الجديدة، أعلن الوزير محمد عبد اللطيف، وزير التربية والتعليم، إلى أن هناك 4 مواد من مناهج البكالوريا تم إعدادهم من اليابان، في إشارة إلى أن الشراكة المصرية اليابانية في مجال التعليم مقتصرة على تجربة المدارس المصرية اليابانية، إذ تتجه وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني إلى توسيع الاستفادة من الخبرات اليابانية لتشمل تطوير المناهج الدراسية، خاصة في الرياضيات والعلوم والبرمجة، إلى جانب تدريب المعلمين وتطوير التعليم الفني.
ماذا تريد التعليم من اليابان؟
وتعليقًا على هذا، أكد “عبد اللطيف”، ضرورة الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة في تطوير منظومة التعليم، مع تركيز خاص على التجربة اليابانية، باعتبار اليابان من الدول المتقدمة عالميًا في مجالات الرياضيات والعلوم والتكنولوجيا، مؤكدًا على حرص الوزارة على تعزيز التعاون مع الجانب الياباني في تطوير المناهج الدراسية، والاستفادة من الخبرات اليابانية في عدد من المجالات، بما ينعكس على تطوير العملية التعليمية ورفع مستوى الطلاب.
ما باكورة التعاون مع اليابان؟
وعن باكورة التعاون مع اليابان في المناهج، يأتي تطوير مناهج الرياضيات في مقدمة التعاون الحالي بين مصر واليابان، حيث تعمل الوزارة على الاستفادة من مخرجات التعلم اليابانية في تطوير المادة الدراسية بمختلف المراحل التعليمية، وبحسب تصريحات وزير التربية والتعليم، بدأت الوزارة تطبيق مخرجات تعلم متوافقة مع النموذج الياباني في الرياضيات للصف الأول الابتدائي، مع التوسع تدريجيًا في التطبيق على الصفوف الدراسية التالية.
كما أوضح الوزير أن تطوير مناهج الرياضيات يستهدف الوصول إلى المرحلة الثانوية، من خلال مشروع للتعاون مع شركة “سبريكس” اليابانية يمتد لعدة سنوات، بهدف تحسين مستوى الطلاب في الرياضيات وتطوير طريقة تدريس المادة، مؤكدًا على أن الوزارة تستهدف الاستفادة من التجربة اليابانية في هذا المجال على نطاق أوسع، خاصة أن الرياضيات تمثل إحدى الركائز الأساسية في بناء مهارات التفكير والتحليل وحل المشكلات لدى الطلاب.
العلوم ضمن خطة التطوير
ولا تقتصر الاستفادة من الخبرات اليابانية على الرياضيات، إذ تتضمن خطة الوزارة تطوير مناهج العلوم أيضًا، حيث أعلنت الوزارة الاستفادة من مخرجات التعلم اليابانية في مناهج العلوم للصفوف الرابع والخامس والسادس الابتدائي، مع إخضاع المحتوى للمراجعة من جانب متخصصين وأساتذة كليات التربية، للتأكد من توافقه مع المناهج المصرية والثقافة والهوية الوطنية.
كما يدخل التعاون مع الخبراء اليابانيين في إعداد مناهج العلوم والرياضيات المرتبطة بنظام البكالوريا المصرية، في إطار توجه الوزارة للاستفادة من الخبرات الدولية عند بناء المناهج الجديدة، حيث تؤكد الوزارة في هذا السياق أن الاستفادة من التجربة اليابانية لا تعني نقل المناهج اليابانية بصورة حرفية، وإنما الاستعانة بمخرجات التعلم والخبرات وأساليب التدريس التي تتناسب مع احتياجات الطالب المصري.
البرمجة تعاون يتجاوز المناهج
ويمتد التعاون المصري الياباني إلى مجال البرمجة، الذي أصبح أحد الملفات الرئيسية في خطة تطوير التعليم، حيث أعلن وزير التربية والتعليم تدريس البرمجة لطلاب الصف الأول الثانوي بالمدارس الحكومية، بالتعاون مع الجانب الياباني، في إطار خطة تستهدف إكساب الطلاب مهارات رقمية وبرمجية تساعدهم على التعامل مع متطلبات سوق العمل خلال السنوات المقبلة.
كما شهد التعاون تنظيم اختبارات ومسابقات لاكتشاف الطلاب المتميزين في البرمجة، مع الإعلان عن سفر عدد من الطلاب المتفوقين إلى اليابان للاستفادة من التجربة اليابانية والاحتكاك بالمتخصصين هناك، وفي هذا الإطار أعلنت الوزارة منح 10 طلاب من المتفوقين في البرمجة فرصة للسفر إلى اليابان، إلى جانب توفير فرص تدريبية لنحو 50 طالبًا، بما يفتح أمام الطلاب المتميزين مسارًا للتدريب والتعرف على بيئة التكنولوجيا اليابانية.
تتجاوز الكتاب.. فلسفة اليابان في بناء المناهج
بحسب مراجعة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية “OECD” لسياسة التعليم في اليابان، لا تقوم فلسفة تطوير المناهج اليابانية على زيادة المعارف التي يحصل عليها الطالب فقط، وإنما على بناء منظومة متكاملة تجمع بين المعرفة والمهارات والقدرة على التفكير واتخاذ القرار وحل المشكلات والتعبير والتعاون مع الآخرين، لذا فهي تصنف اليابان ضمن أفضل البرامج التعليمية.
وتدفع الإصلاحات اليابانية باتجاه ما تصفه المنظمة بـ"التعلم النشط"، بحيث يصبح الطالب مشاركًا في عملية التعلم وقادرًا على توظيف ما يدرسه في مواقف الحياة المختلفة، مع الاهتمام في الوقت نفسه بالجوانب الاجتماعية والعاطفية وبناء شخصية الطالب، وليس التحصيل الأكاديمي وحده.
وتشير OECD كذلك إلى أن تطوير المناهج في اليابان لا يتم بمعزل عن تطوير العملية التعليمية ككل، إذ يرتبط بتأهيل المعلمين وتطوير أساليب التدريس ومواءمة نظم التقييم مع المهارات المستهدفة. كما تركز اليابان على إعداد الطلاب لمتطلبات المستقبل، بما يشمل التفكير الإبداعي وحل المشكلات والمهارات الرقمية.
لا “مناهج يابانية”.. الاستفادة من التجربة لا تعني نقلها حرفيًا
وفي مواجهة ما يثار من مخاوف لدى بعض أولياء الأمور بشأن اتجاه وزارة التربية والتعليم إلى “تدريس المناهج اليابانية” للطلاب المصريين أو التدريس باللغة اليابانية، تؤكد الوزارة أن ما يجري لا يتعلق بنقل المناهج اليابانية بصورة حرفية أو استبدال المناهج المصرية بأخرى أجنبية، وإنما بالاستفادة من الخبرات اليابانية ومخرجات التعلم وأساليب التدريس التي أثبتت فاعليتها، ثم مواءمتها بما يتناسب مع احتياجات الطالب المصري وطبيعة المنظومة التعليمية في مصر.
ووفقا لوزارة التعليم، تخضع المحتويات المطورة للمراجعة من جانب المتخصصين، بما يضمن توافقها مع الثقافة المصرية والهوية الوطنية، وبالتالي فإن الاستعانة بالخبرة اليابانية تستهدف تطوير طريقة التعلم والمهارات التي يكتسبها الطالب، وليس تحويل المنهج المصري إلى نسخة من المنهج الياباني أو فرض تجربة تعليمية أجنبية على الطلاب.
اللغة اليابانية تدخل 10 مدارس مصرية يابانية
وفي جانب آخر من الشراكة، وقعت وزارة التربية والتعليم اتفاقية مع مؤسسة اليابان لتبادل الثقافة الدولية، لتدريس اللغة اليابانية كلغة ثانية لطلاب المرحلة الإعدادية في عدد من المدارس المصرية اليابانية، حيث أنه من المقرر أن تبدأ التجربة في 10 مدارس مصرية يابانية اعتبارًا من العام الدراسي 2026/2027، بما يمثل توسعًا في التعاون الثقافي والتعليمي بين البلدين.
تدريب المعلمين والاستعانة بالخبرات اليابانية
ولم يقتصر التعاون على الطالب والمنهج، إذ تعمل الوزارة كذلك على الاستفادة من الخبرات اليابانية في تدريب وتأهيل المعلمين، حيث شهدت الفترة الأخيرة مباحثات واتفاقيات تتعلق بتدريب المعلمين والاستعانة بالخبراء اليابانيين في تطوير العملية التعليمية داخل المدارس المصرية اليابانية، مع توجه لزيادة أعداد الخبراء المشاركين في متابعة وتطوير التجربة.
وتستهدف الوزارة من ذلك رفع كفاءة المعلم، باعتباره أحد العناصر الرئيسية في نجاح أي تطوير للمناهج، خاصة مع إدخال أساليب جديدة في تدريس الرياضيات والعلوم والبرمجة.
لماذا تستعين وزارة التعليم بالخبرة اليابانية في تطوير المناهج؟
ويفسر مسؤولو وزارة التربية والتعليم التوسع في التعاون مع اليابان بأن التجربة اليابانية لا تركز فقط على التحصيل الدراسي، وإنما تجمع بين جودة التعليم وتنمية شخصية الطالب وإكسابه مهارات عملية، حيث يأتي التركيز على الرياضيات والعلوم والبرمجة بصورة خاصة، في ظل ارتباط هذه المجالات بالمهارات المطلوبة في الاقتصاد الحديث، وبما تستهدفه الوزارة من إعداد خريج قادر على التعامل مع التطورات التكنولوجية والمنافسة مع خريجي أنظمة التعليم المختلفة حول العالم.
وفي هذا الصدد، أكد وزير التربية والتعليم أن مصر تمتلك حاليًا نظامًا تعليميًا جيدًا يعتمد على مناهج متطورة وحضور للطلاب وتحسين جودة العملية التعليمية، مشيرًا إلى أن الاستفادة من الخبرات الدولية تأتي في إطار استكمال عملية التطوير وليس استبدال التجربة المصرية بتجارب أجنبية.


