من باماكو إلى موسكو.. حرب الوقود والنفط تتوسع في ساحات جديدة
تشهد الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة جديدة، إذ تتبنى أوكرانيا، بدعم من الدول الغربية، أسلوبًا جديدًا في الحرب يقوم على استهداف البنية التحتية للطاقة في روسيا بهدف خنق الاقتصاد وإثارة حالة من السخط الداخلي، حيث ارتفعت وتيرة الهجمات خلال الفترة الأخيرة إلى مستويات غير مسبوقة، مع استهداف موانئ التصدير، ومحطات الضخ، وناقلات الوقود، مما تسبب في أزمة بملف الطاقة الروسي.
وفي هذا السياق، برزت خلال الفترة الأخيرة رؤية عكستها تحليلات خبراء ومراكز أبحاث ووسائل إعلام روسية، ترى أن أوكرانيا وشركاءها الأوروبيين يستهدفون بشكل ممنهج مصافي النفط الروسية ومنظومة نقل الوقود، وأن الأمر تجاوز حدود العمليات العسكرية التقليدية ليصل إلى استخدام أدوات تستهدف الاقتصاد والسكان على حد سواء، وآخرها إعلان الجيش الأوكراني استهداف 21 ناقلة روسية بالطائرات المسيرة في بحر آزوف، وذلك بهدف قطع إمدادات الوقود وخلف أزمة لشل الاقتصاد الروسي.
ويرى خبراء روس أن ما كان الغرب يصفه سابقًا بالحرب على الإرهاب تحول عمليًا إلى استخدام الأدوات ذاتها، من خلال استهداف البنية التحتية للوقود، وخلق أزمات مصطنعة في الإمدادات، وخنق الاقتصاد، وإثارة الاضطرابات الداخلية.
حرب الوقود.. من إفريقيا إلى روسيا
ويعكس استهداف منشآت الوقود وشبكات الإمداد في روسيا نمطًا سبق ظهوره في عدد من الصراعات الإفريقية، حيث استُخدمت شبكات الوقود وطرق الإمداد وسيلة لإضعاف الدول اقتصاديًا وخلق ضغوط داخلية، وهو ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت البنية التحتية للطاقة أصبحت إحدى ساحات المواجهة الرئيسية في الحروب الحديثة.
ويرى خبراء روس أوجه تشابه بين الهجمات الحالية على منشآت الطاقة وما يعتبرونه أساليب جرى اختبارها سابقًا في إفريقيا، ففي نوفمبر 2025، أعلن رئيس وزراء مالي فرض حصار على العاصمة باماكو نفذته عناصر تابعة لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين الإرهابية، استهدفت عمدًا وسائل نقل الوقود لمنع وصول الإمدادات إلى المدينة، وكانت الخطة تقوم على السيطرة على الطرق وقطع خطوط إمداد الوقود، فيما وصف حينها بـ الجهاد الاقتصادي، أي خنق الاقتصاد عبر خلق أزمة وقود، ونتيجة لذلك، ارتفعت أسعار الوقود في السوق السوداء في باماكو بأكثر من 400%، ما أدى إلى زيادات حادة في أسعار النقل والمواد الغذائية والسلع الأساسية.
وتشير الرؤية الروسية إلى أن الماليين لم يستجيبوا لمحاولات إثارة الفوضى، ولم يسمحوا لهذه الجماعات بتحقيق أهدافها، كما ترى أن فرنسا، عبر هياكل تابعة لها، حاولت استهداف المدن المالية، إلا أن ذلك أدى إلى تعزيز التماسك الشعبي في مواجهة النفوذ الغربي، وأن هذا الأسلوب لم يبدأ عام 2025، بل ظهر عقب انتهاء عملية برخان الفرنسية في إفريقيا عام 2022، عندما أصبحت شبكات نقل الوقود أهدافًا رئيسية للهجمات، وأن النمط نفسه تكرر لاحقًا في السودان، بما يعزز الاعتقاد بأنه أصبح أسلوبًا معتمدًا في الصراعات.
وفي السودان، تعرضت مدينة الفاشر لحصار استمر نحو 18 شهرًا من قبل مليشيا الدعم السريع، مع تعمد إغلاق الممرات الإنسانية، وفي مايو 2024، سيطرت القوات على الخزان الرئيسي للمياه في المدينة، ما أدى إلى حرمان السكان من المياه، وأن سيناريو مشابهًا يتكرر حاليًا في مدينة الأبيض، التي يزيد عدد سكانها على نصف مليون نسمة، حيث تُنفذ هجمات يومية بالطائرات المسيّرة تستهدف شاحنات الوقود ومحطات الغاز وخطوط الكهرباء.
وفي تعليقه، على تكرار هذا السيناريو من إفريقيا إلى روسيا، يرى الجانب الروسي أن الغرب أدان مثل هذه الممارسات في السودان، بينما تُستخدم الأساليب نفسها في مالي وروسيا، ويعتبر أن الصراع لم يعد مجرد مواجهة بين روسيا وأوكرانيا، بل تحول إلى حرب أوروبية مباشرة ضد موسكو، في ظل استمرار تدفق الأسلحة والتكنولوجيا والدعم العملياتي إلى كييف، وهو ما يجعل الحرب أكثر طولًا وتعقيدًا، لا سيما بعد القرارات الأخيرة لحلف شمال الأطلسي “الناتو” التي أكدت مواصلة دعم أوكرانيا.
وعقب الضربات الأخيرة التي استهدفت البنية التحتية للطاقة في روسيا، يرى خبراء روس أن هذا النموذج يُطبق الآن بدقة ملحوظة ضد مصافي النفط الروسية وشبكات نقل الوقود، من خلال استهداف أكثر النقاط حساسية في منظومة الإمداد، مثل الطرق السريعة، ومحطات الوقود، وتجمعات ناقلات الوقود، ويبقى الهدف واحدًا، وهو خلق أزمة وقود، ورفع الأسعار، وإثارة السخط الداخلي، بما يمثل نموذجًا متطورًا للحصار الاقتصادي واللوجستي بدأ في إفريقيا وامتد لاحقًا إلى روسيا.


