الإثنين 02 فبراير 2026
More forecasts: Wetter 4 wochen
رئيس التحرير
محمود المملوك
أخبار
حوادث
رياضة
فن
سياسة
اقتصاد
محافظات
محافظات

روشتة المنسحب

الجمعة 16/يناير/2026 - 05:52 م

مرات كتيرة خلال سنين حياتي اللي فاتت أعلنت انسحابي من مواقف كتيرة منها اللي كنت محق فيها في قرار الانسحاب ومنها اللي ندمت بعدها على انسحابي.

مع الوقت ولما العُمر بيمر بتعلم زي غيري برضه مابيتعلموا إن الانسحاب ضروري وبنعرف بالظبط امتى ننسحب عشان نكتشف إننا ياريتنا عرفنا روشتة الانسحاب من بدري.

الكاتبة "لويز هاى" في مقال ليها بتحكي إن في دخلة شهر ديسمبر من 8 سنين كانت مدام  "كارين ماجوريس" اللي عندها وقتها 38 سنة خارجة من السوبر ماركت اللي على أطراف المدينة اللي ساكنة فيها هى وجوزها وأولادها وبمجرد ما خرجت من هناك وهى شايلة ومحملة أكياس الخضار والفاكهة وباقي لوازم الأسبوع بتاعت البيت اكتشفت وهى في طريقها لعربيتها إن التلج بدأ ينزل من السما وبشكل عنيف أكتر من المعتاد.

مممممم كان واضح إنه يوم عاصف جديد والشتا داخل بقسوة من أوله.. في الطبيعي "كارين" كانت شخصية قوية.. أو بتحب تبان قوية.. عدت محن كتير.. محنة المرض لما تجاوزت إصابتها بـ سرطان الثدى من 4 سنين.. محنة موت أبوها وأمها زمان.

محنة خسارة الفلوس لما كانت بتدخل في مشاريع تجارية وبتغامر..  محنة موت الأصدقاء أو اكتشافها لبعضهم على حقيقتهم اللي كانت غايبة عنها.. والواحد من كُتر ما بيشوف بيتعلم وقلبه بيجمد وأحيانًا بيقسى كمان.. كل المحن اللي فاتت ده كان لها دور فى تشكيل الوش الصلب اللي كانت " كارين " بتصدره للناس.. بس فيه حاجة واحدة ماكنتش قادرة تعديها ولا تتجاوزها.. اليأس من الأهداف اللي ماكنتش بتتحقق ولا الأحلام اللي بتفضل أحلام ولا زعلها من نفسها بسبب القرارات الغلط اللي كانت بتاخدها حتى لو مابينتش ده للناس.. أيوه وهى بالذات النقطة الأخيرة دي.. القرارات الغلط اللي بتاخدها.. قرارات في الشغل.. في الصداقات.. بتغلط؟.. كتير جدًا أصلًا حياتها كانت مجموعة من غلطات متتالية.. الوحيدة اللي مابتعرفش مصلحتها رغم إن كل اللي حواليها مش كده.. شاطرة في نصيحة غيرها وهى لأ.. حتى لما بتيجي تشترى حاجة والندم بعد ما تجيبها (متهيألى الحاجة الفلانية التانية كانت هتبقى أحلى).. " كارين" بتشوف نفسها أستاذة قرارات غلط في غلط.. قراراتها دايمًا بيبقى وراها ندم ندم ندم وضغوط نفسية ملهاش نهاية وإتهام ذاتى لنفسها إنها غبية ومش بتتعلم.

بذور الندم كانت بتنمو جواها بسرعة رغم إنها مازرعتهاش!.. طب هى مافيهاش حاجة كويسة خالص؟.. بالعكس مين قال!.. طيبة.. بتسامح.. تعمل زعلانة أحيانًا بس بتتراضى بكلمتين.. أصلها طيب ونشأتها دينية.. حطت الأكياس اللي معاها في شنطة العربية وركبت ودورت واتجهت ناحية البيت.. طول الطريق وهى سايقة بتفتكر كل غلطاتها اللي عملتها في حياتها.. هاتك يا عياط!.

أساسًا ماكنش فيه مبرر لتذكر الكلام ده بس هى جو الشتا بيقلب معاها بكآبة زى عندنا بالظبط.. النفسية بتعبى بتعبى بتعبى وبتتراكم جواها حاجات مش بالضرورة حصلت ورا بعض وفجأة الخنقة اللي جوه الروح تطلع في شكل دموع.. ماخدتش بالها إنها وصلت للبيت إلا لما نور عربيتها ضرب في السور الأبيض المميز بتاع بيتهم وإنعكس في عينها.. إنتبهت وركنت.. نزلت وشالت الأكياس من شنطة العربية.

وهى شايلاهم اتقطع كيس التفاح عشان صوابعها ماكنتش قادرة تستوعب كمية الأكياس التقيلة دي مع بعض.. من حسن الحظ الكيس اتقطع ووقع على الأرض زى ما هو بإستثناء تفاحة واحدة بس هى اللي اتدحرجت بعيد.. جابتها ومسحتها في هدومها ومارضتش تحطها مع باقي التفاح اللي في الكيس على أساس إنها تغسلها وكده فحطتها في جيب البالطو بتاعها.. لمت باقي الأكياس وطلعت على سلالم البيت واحدة واحدة.. باب البيت.. اتفتح وطلع جوزها "جيف" من جوه لما سمع خطواتها.. شال عنها الأكياس، وقال لها وهما داخلين من الباب: (لقد هبت العاصفة بشكل أسرع من المتوقع وكنت قلق عليكي ودعوت الله أن تتوخى الحذر، وأنتى تتجاوزين المنعطف الموجود على أول شارعنا فهو يصبح فى غاية الخطورة عندما يتجمد).. هزت راسها وردت عليه بإبتسامة بدون ما ترد بكلام وقالت لنفسها بصوت ماخرجش من جواها: (كم كنت أتمنى لو أنني أعرف ما تحمله منعطفات حياتنا في مستقبلنا).

عين "جيف" جت في عينها وسألها بقلق: (هل كنتي تبكين؟).. حاولت تغير الموضوع وقالت: (لا إنها قطع الثلج الذائبة على وجهي).. في اللحظة دي كانوا دخلوا البيت، و"جيف" قفل الباب وهما بيرصوا الحاجات في التلاجة قال: (بالمناسبة؛ لستى مضطرة أن تتحلي بالقوة طوال الوقت).. سمعت الجملة منه وهزت راسها بدون كلام زى عادتها لما بتحب تهرب من أى حوار مش عايزة تدخل فيه وقالت برضه لنفسها: (بالعكس أنا مضطرة دومًا أن أتظاهر بالقوة فهناك الكثير من الأشخاص يعتمدون على ولا يمكننى إقتراف المزيد من الأخطاء، وأولهم أنت نفسك).

"جيف" شخص متواكل وكسول ورامي كل الحِمل على مراته، ودايمًا بيهرب من أى مسؤولية أو مواجهة بحجة إن ما هى مراتي بتعرف تتصرف!.. شراء طلبات البيت مراتي موجودة.. تنظيف البيت مراتي موجودة.. اللعب مع أولادهم مراتي موجودة.. هو حصر كل دوره بس أول عن آخر في إنه بيشارك في مصاريف البيت!.. لا والله كتر ألف خيرك.. للأسف هو كان جزء من مشكلة "كارين" اللي قدر وباللامبالاة بتاعته يحسسها قد إيه إنها لوحدها رغم وجوده.. من زمان كان نفسها تحط النقط على الحروف بس اللي كان بيمنعها إن أى رد فعل عنيف منها هيدفع ثمنه أولادهم وحياتهم استقرارها هيتهز.. بس لحظة!.. هى دي الحياة اللي هى بتحلم بيها؟، وأصلا لسه ماتهزتش؟.

"كارين" كانت بتحب تعزف على آلة الكمان كل يوم بس بسبب المسؤوليات اللي اترمت عليها لوحدها كانت آخر مرة لمست فيها الكمان من 3 سنين!.. بتحب تتمشى لكن وعشان بترجع مهدودة من شغلها، وبتتهد تاني في متطلبات البيت نسيت دقايق التمشية اللي كانت بتلاقي نفسها فيهم.. حاجات كتير تعمدت تنساها عشان المركب تمشي.. والنتيجة؟.. بقت شبح بيتحرك في مهمام روتينية يومية بدون هدف ولا متعة.

"كارين" بعد ما اتعشت قعدت مع إبنها وبنتها ولعبت معاهم بالكوتشينة شوية جنب الدفاية ولما جه وقت النوم نيمت كل واحد فيهم في سريره وقرأت معاهم الأدعية اللي كانت متعودة تقولها معاهم قبل النوم.. نزلت للدور التحتاني ولقت "جيف" نايم على روحه على الكنبة وهو بيتفرج على التليفزيون كالعادة.. باسته فوق راسه وغطته.. وقفت قدام الشباك وبصت على الجو بره.. كان التلج الأبيض مغطى كل الأرض ولسه بينزل برضه لدرجة إنك تحس التلج منور رغم إن الدنيا ليل!..  جت في بالها فكرة مجنونة ونفذتها فورًا قبل ما تسيب لنفسها فرصة للتردد.. لبست البالطو بتاعها وقررت تخرج تتمشى في الجو ده.. شجعها الهدوء بتاع بالليل وإن الدنيا هُس هُس إنها تمشى أكتر وتتوغل أكتر.

الحقيقة إن شوية المشي دول ورغم رعب التوقيت كانوا زى الفل لأنها كانت بتراجع كل اللي فات تاني وتالت، وبتعيط عشان كانت حاسة إنها ماخدتش حقها في العياط من شوية.. وهى ماشية افتكرت الجملة العبقرية بتاعت "شارلى شابلن"  لما قال: (I always like walking in the rain، so no one can see me crying).. أنا دايمًا بحب أمشي تحت المطر لأن محدش هيقدر يعرف إني ببكي.. تعبت من المشي فوقفت عشان تلقط أنفاسها.. بصت حواليها وحست بالذعر لما اكتشفت إنها إنحرفت عن الطريق لمنطقة ماتعرفهاش!.. كان واضح إنها مشيت مسافة كبيرة بدون ما تحس.. كل اللي حواليها تلج أبيض ومفيش أى إشارات تعرف بيها السكة ولا مكانها.. أهو الموقف المنيل ده كان شبه حياتها بالمللي.. قرار غلط بالتمشية في الجو ده ثم تكتشف إنها تاهت!.

حلقة في سلسلة القرارت الغلط اللي كانت بتاخدها كالعادة، وأهى بتدفع الثمن.. يعنى تعمل إيه بس!.. تحبس نفسها في البيت وتوقف دماغها عن التفكير وإتخاذ أى قرار خالص لحد ما تموت عشان خايفة تغلط!.. بصت لـ فوق وقالت: (يا إلهى كلا، ساعدني).. من كتُر السقعة إنهارت على الأرض وضمت رُكبها ودفنت راسها وسطهم.. غمضت عينها كإنها بتستسلم لمصيرها المجهول.. مرة دقايق كتير ماكنتش عارفة عددهم بس بعد شوية حست بـ وغزة في دراعها اليمين.. رفعت راسها بسرعة تشوف إيه ده وكتمت بُوقها بكف إيدها برعب.. لقت جنبها حيوان أنثى الظبي -(حيوان شبه الغزال بس قرونه أطول شوية)-.

الظبي بتبص لـ "كارين" بتركيز وبتتنفس فبيخرج من بُوقها بخار الميه وصوت تنفس منتظم.. "كارين" اللي كانت متلبشة من الموقف كله لاحظت إن أنثى الظبي دي كان حجمها أصغر شوية من باقي نوعها اللي هى تعرفه وكانت خاسة وافتكرت جملة كان أبوها قالهالها زمان بخصوص حيوان الظبي خصوصًا إنه كان صياد خبير لما عرفت منه إن في فترات الشتا القارص حيوانات الظبي اللي بتكون جعانة بتخاطر وتقرب من المناطق المأهولة بالسكان عشان تدور على الأكل!.

الغريب إن الظبي بطبعه مش بيحب يقرب من الإنسان وغالبًا بيهرب.. "كارين" مدت إيدها تحاول تلمسها وتطبطب عليها.. الظبي بعدت.. طب هى كانت ليه قربت منها أصلًا من شوية!.. "كارين" بعدت إيدها.. الظبي قربت!.. فضلت "كارين" ثابتة مكانها وهى بتتأمل شكلها ولون عينيها البني ولونها الرمادي والنقط اللي على فروها.. فضلوا ثابتين على الوضع ده شوية.. التلج بدأ يخف وبدأت الدنيا تبقى هادية لما صوت الرياح قل.. سكون الجو كان له دور شوية على نمو ثقة متبادلة بين "كارين" والظبي.. الظبي قربت من "كارين".. بدأت دقات قلب "كارين" تتسارع.. الظبي بصت لـ جيب البالطو بتاع "كارين".. " كارين" حسست على جيب البالطو ولقت التفاحة اللي كانت شالتها لما وقعت من الكيس!.. مسكتها في إيديها.. عين الظبي كانت بتتركز شوية على إيد "كارين" اللي ماسكة التفاحة وشوية على "كارين" نفسها.

بصت للظبي وقالت لها كإنها هتفهم كلامها: (لقد قدمتي لى الإجابة التي تمنيتها؛ من الممكن أن تؤدي الأخطاء في النهاية إلى أمور عظيمة).. قالتها ورمت التفاحة على الأرض بالراحة قدام الظبي فخدتها وطلعت تجرى لحد ما اختفت في الضلمة.. "كارين" حست بالراحة وإحساس الخوف زال منها وبصت لـ فوق وشاورت بإيدها كأنها بتحيى حد وقالت: (شكرًا يا إلهى).. أول ما هوصل البيت هطلب من جوزي مجموعة طلبات.. أنا مش هقدر أكمل كده يا"جيف".. لازم أرجع أمارس هواياتي.. مش هشيل كل حاجة لوحدي.. مش هبقى مضغوطة في كل التفاصيل بالكامل.. لازم إيدك معايا تخفف عني الحِمل.. ولو رفض؟.. هتبلغه إنها عايزة تتطلق.. الاستمرار بنفس الوضع مش هيأدي لنتائج مختلفة، وهيبقى تضييع عُمر على الفاضي.

خوفي من بكره هيسرق مني النهاردة.. ضمت ياقة البالطو بتاعها حوالين رقبتها وضغطت على الكوفية عشان تدفي نفسها أكتر وجواها طمأنينة لقرارها، وبدأت تتحرك في إتجاه إختارته وكلها أمل وثقة إنه هيكون هو طريق بيتها.. وحتى لو كان الطريق غلط فهى برضه في النهاية أكيد هيتبعت لها إشارة رباني تبسطها زى ما حصل من شوية. 

 

 

عندي قناعة تامة إن في أوقات كتير انسحاب جيد أفضل من مقاومة سيئة.. مش كل المعارك تستحق الخوض، ولا كل منسحب لازم يكون جبان!.. الانسحاب مكسب لو كان انسحاب من جدل مالوش نتيجة، أو انسحاب من علاقة مالهاش فرصة تتطور وتتحسن ومافيهاش جديد، أو انسحاب من مكان مش بيقدرك.

مش دايمًا المكسب بتاعك بيكون في إنك قدرت تاخد أو تستمر أو تكمل.. أوقات المكسب الحقيقي بيبقى في إنك "تسيب" مش "تاخد".. "تبعد" مش "تقرب".. لما بتشترب راحتك مابتبقاش غلطان.. الروائي الفرنسي "ألبير كامو": (الانسحاب من حياة بعض الأشخاص لا يعني الاستسلام، بل غالبًا يعني أنك صمدت طويلًا من أجل شيء لا يستحق).

تابع مواقعنا